جلال الدين الرومي
610
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
( 3473 - 3483 ) : وأنت لا ترى هذا الكتاب على حقيقته من إنكارك وكفرك ونفاقك تماما كنظراتك إلى وجوه الأولياء . . فهل تظن إننا نرى وجوه أولياء الله كما هي بالفعل ؟ هل نراها نحن كما تراها أنت ؟ لقد تعجب الرسول صلى الله عليه وسلم من أن المؤمنين لا يرون النور الذي في وجهه ويرونه بشرا كالبشر ورجلا كالرجال . . كيف لا يرون نور الحق في أوصافه في وجودي « من رآني فقد رأى الحق » ( انقروى 4 / 812 ) وإذا كانوا يرونه . . فلماذا هذه الحيرة والحق قد صار واضحا ولائحا وليس الإيمان في حاجة إلى تردد . . وهكذا حتى يرد جبريل عليه السلام : إنه بالنسبة لك نور ، وبالنسبة لهم سحاب ، وذلك حتى لا يرى الكافر هذا النور بالمجان أي دون أن يتقدم إيمانه على رؤيته . . إنه بالنسبة لك حب . . لكن الآخرين يرونه فخا . . لكيلا يكون هذا الشراب - وشرطه الإيمان - لكل إنسان مؤمنا كان أو كافرا . . وهكذا قال الله تعالى في شأنهم « وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ » ( الأعراف / 198 ) وارجع الضمير إلى الأصنام فكأن الكفار والأصنام واحد ، وهم نقش حمام ، صور تبدو لك حية لكن عيونها ميتة لا تنظر ولا ترى ، خشب مسندة ، إنه لا يرد عليك تحية ، ولا يحمل منة منك من السجود له . . ولا يجازيك عليه ، وأهل الدنيا مثلهم تماما صور بلا أرواح . . فليصبك اليأس مما في أيديهم ، ولتتجه إلى ذي العطايا والمنن . ( 3484 - 3493 ) : لكن انظر إلى اللذة التي يهبك إياها الحق من عبادته ، إنه لا يحرك رأسا في الظاهر ، إنك لا تراه ، لكنك بعبادتك إياه تحس بلذة عطاياه تسرى في داخلك ، تزداد سرورا ، إنه لا يحرك رأسه لك لكنه يمنحك قبسا منه يجعل العالم كله يسجد لك . . إنه يضع في الحجر سرا فيصبح ذهبا ، ويجعل من قطرة الماء العذبة التي تقع في الصدفة درة يتيمة ، وكرم الإنسان المخلوق من تراب فجعله سيدا على كل الدنيا ، في حين أن هذه الدنيا تضل الآخرين ، وتجعلهم يحيدون عن الطريق ، وتجعل من سلاطينها وقادتها فتنة للمؤمنين